لا تكن خفيفاً

من أخطر ما يُفسِد الإنسان أن يتحول إلى إنسان “خفيف”
خفيف العقل،خفيف الوعي،
خفيف الموقف،تهزه الكلمات،
وتقوده الضوضاء،فيساق بلا بصيرة.

ولذلك لم يقل الله عن فرعون إنه أقنع قومه بالحجة،ولا أنه انتصر عليهم بالعلم،بل قال سبحانه:

﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾
1- استخفهم بصناعة مجتمع خفيف في كل شيء، فجعلهم خفافاً.
2- وكانت النتيجة أنه استخفهم فلم يعبأ بهم فامتهنهم وأهانهم.

فكأن القضية كلها بدأت من هنا:
حين خفَّت العقول سهلت قيادتها.

– ففرعون لم يأتِ بدعوى محتملة أو شبهة دقيقة، بل قال أعظم الكذب: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾

– ومع ذلك وجد من يطيعه!
ليس لأن دعواه قوية!!
بل لأن الداخل كان هشًّا، والوعي كان غائبًا، والنفوس اعتادت الانقياد دون تفكير.

– فالإنسان حين يفقد ثقله الداخلي يصبح قابلًا لكل توجيه:
يصفق بلا فهم، ويغضب بلا علم، ويتبنى الآراء بلا تمحيص،
ويعيش أسيراً للمؤثرات والشعارات والجموع.

– ولهذا كانت التربية الحقيقية ليست مجرد حشد معلومات،
بل بناء ( الإنسان الثقيل ) :
ثقيل في وعيه،ثقيل في حكمه، ثقيل أمام الشائعات، ثقيل أمام العواطف العابرة،لا يساق بسهولة،ولا يُستخف مهما كان المُستخِف.

إن من أعظم ما يحمي الإنسان من هذه الخفة:
1-  العلم الذي يبني البصيرة.
2-  والتفكر والتأمل الذي يصنع السؤال، ويطلب الإجابة.
3- وصحبة أهل العلم والوعي والفكر، ومتابعتهم، والقراءة لهم.
4- والرجوع للمحكمات والثوابت وقت الفتن.
5- وتربية النفس على التثبت والتأني ومعرفة مالات الأعمال.

 فالوعي ليس ترفاً بل نجاة.

– فكم من أمةٍ لم تُهزم بالقوة،
لكن هُزمت حين أصبحت خفيفة تُقاد بطبلة، وتُستثار بشهوة، وتُصنع قناعاتها من الزيف لا من الحقيقة.

– ولهذا فإن من المهم تضمينه في المناهج التربوية اليوم:
أن نُربّي أبناءنا على “الثقل”
1- ثقل العقل بالمعرفة وأدوات الفهم
2- وثقل الإيمان بالتزود من الصالحات.
3- وثقل الموقف،حتى لا يستجيب لكل استخفاف فرعوني.

د. سعد بن دبيجان الشمري

دكتوراه في الثقافة الإسلامية، كاتب وباحث مهتم بالدراسات الفكرية والثقافية والتربوية، وكتابة المقالات والخواطر.

شارك المقالة

0 تعليقات

المزيد من المقالات

عندما نتأمل قصة موسى عليه السلام نجد أنها ليست قصة مواجهة مع فرعون فحسب، بل عرض قرآني متكامل للسنن الإلهية التي تحكم مسيرة الإصلاح في …

بين الغفلة والذكر

الغفلة ليست مجرد نسيان عارض، وإنما حالةٌ يعيش فيها القلب بعيداً عن الحق، فلا ينتفع بما يراه من آيات الله ولا بما يسمعه من وحيه. …

حين قرأت خبر طباعة مجلدات جديدة من تراث شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، تذكرت فريقين مرّا على كتبه: فريقاً جمع بعضها وأحرقها؛ ليقطع طريقها …