تدوير المعرفة

من أخطر ما يصيب الإنسان أن يظن أن المعرفة إذا دخلت القلب بقيت فيه كما هي. والحقيقة أن العلم والوعي والإيمان والقيم إذا لم تُتعاهد، أصابها مع الزمن شيء من الفتور والجفاف، وضعفت آثارها في النفس، وإن بقيت معلوماتها في الذاكرة.

• لقد تشكَّلت شخصياتنا من مداخل معرفية كثيرة: كتاب قرأناه، أو شيخ لازمناه، أو درس سمعناه، أو رفيق صالح صاحبناه، أو موقف هزَّ قلوبنا. وهذه الروافد كانت يومًا ما سببًا في بناء وعينا، لكنها تحتاج بين حين وآخر إلى أن تُفتح من جديد، حتى يتجدد أثرها في القلب والعقل.

• ولذلك فمن الحكمة أن يعيد الإنسان قراءة بعض الكتب المركزية التي صنعت وعيه في بداياته، وأن يعاود سماع الدروس والمحاضرات التي كان لها أثر في بنائه، وأن يتواصل مع شيوخه ومربيه ورفقاء طلبه الأوائل، أو بمن يحمل منهجهم وروحهم؛ فالمقصود ليس استعادة الذكريات، وإنما استعادة الأثر.

• وهذا نوع من تدوير المعرفة؛ فكما تُجدَّد الأرض بالمطر، تُجدَّد القلوب بإعادة مواردها الأولى، ويُجدَّد الوعي بإحياء منابعه التي أثمرت يومًا.

• وعلى مستوى المجتمع، ليست المشكلة دائمًا في غياب العلم أو ضعف المضمون، بل قد يكون كثير من مضامين الإيمان والوعي والقيم قد غاب أثرها لأنها قُدِّمت في زمن مضى بأساليب لم تعد تصل إلى الأجيال الجديدة.

• ولذلك فإن المحافظة على وعي المجتمع لا تكون بمجرد حفظ التراث، بل بإعادة تدوير مضامينه، وتقديمها بلغة العصر، ووسائله، فالمقصود بعث الرسالة لا بعث أصحابها، وإحياء المعاني لا استنساخ الوسائل القديمة.

• فالمجتمعات التي تُحسن تدوير معارفها، وتجدد تقديم قيمها، وتورث رسالتها للأجيال بأساليب متجددة، هي المجتمعات التي يحيا فيها العلم، ويتجدد فيها الإيمان، وتبقى فيها الهوية راسخة رغم تغير الأزمنة وتبدل الأحوال.

د. سعد بن دبيجان الشمري

دكتوراه في الثقافة الإسلامية، كاتب وباحث مهتم بالدراسات الفكرية والثقافية والتربوية، وكتابة المقالات والخواطر.

شارك المقالة

0 تعليقات

المزيد من المقالات

أو تَصنعُ لأخرق.

كم في زماننا من أعمال يسيرة عند بعض الناس، لكنها شاقة على غيرهم؛ فهذا لا يعرف التعامل مع التقنية، وآخر لا يحسن تعبئة النماذج، وثالث …

لعل كثيراً مما نكرهه اليوم، سندرك يوماً أنه محض لطف الله سبحانه وتعالى، فهو اللطيف الخبير.

تمكين جيل التمكين

أحلام النصر والتمكين تداعب خيال كل عامل لدين الله I، فهي كالتنفيس الذي يلجأ إليه المصلح عند تكالب الأعمال، واجتماع الخصوم، فيجعل من أحلام التنعم …