أَفَلَا تَعْقِلُونَ

🔸 لفت انتباهي عند قراءة القرآن أن مفردة العقل في كلام الله لم ترد اسماً، وإنما وردت فعلًا يُمارَس: ﴿يَعْقِلُونَ﴾ و﴿تَعْقِلُونَ﴾؛ فالعقل في كلام الله ليس شعار يُرفع، بل وظيفةٌ تُؤدَّى، وأثرٌ يظهر في الاعتقاد والاعتبار والسلوك.

🔸 ومن أبلغ ما يكشف منزلة العقل أن الله خاطب عباده بقوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، وأخبر عن أقوام بقوله: ﴿لَا يَعْقِلُونَ﴾. وبين الخطاب والوصف فرق كبير؛ ففي الأولى يضع الله الإنسان أمام سؤال مباشر، يوقظ به عقله، ويعاتبه على تعطيله، ويدعوه إلى مراجعة نفسه واستدراك تقصيره. فالاستفهام في ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ إنكارٌ على ترك التعقل. أما قوله سبحانه: ﴿لَا يَعْقِلُونَ﴾ فليس سؤالًا ينتظر جوابًا، وإنما خبرٌ يكشف حال قومٍ عطّلوا عقولهم عن وظيفتها، فلم ينتفعوا بما سمعوا، ولم يعتبروا بما رأوا، ولم يستجيبوا لما تبيّن لهم. ففي الخطاب يخاطبك الله لتراجع نفسك، وفي الوصف يخبرك عن قومٍ صار حالهم عِبْرةً لغيرهم. وكأن في هذا التنوع تحذيراً للعبد من أن يسمع خطاب الاستنقاذ: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ ثم يعرض عنه، حتى يصبح ممن أخبر الله عنهم بقوله: ﴿لَا يَعْقِلُونَ﴾. فاحذر أن تنتقل من شرف الخطاب إلى قسوة الوصف.

🔸 وأول ميدان يُمتحن فيه العقل هو صِدْق الإنسان مع نفسه، قال الله سبحانه: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 44]. فمَن أبصر تقصير الناس وغفل عن تقصيره، وأحسن الوعظ ولم يحسن العمل؛ لم يكن نقصه في العلم، وإنما في العقل الذي يَصِل العلم بالعمل.

🔸 وبيّن الله أن العقل الصحيح يهتدي بالوحي ولا يستغني عنه، فقال سبحانه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: 2]، وقال سبحانه: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 242]. فإن الله عز وجل الذي خلق العقل لا يصادره ولا يلغيه، وإنما يأمره بما خلق له، فيصحح مساره، ويمنحه ميزانًا لا تعبث به الأهواء.

🔸 ودعا الله عباده إلى النظر في ملكوته والتفكر في آياته، فقال سبحانه: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [النحل: 12]. فالكون مَشْهودٌ للجميع، ولكن دلالاته لا تنكشف إلا لمَن تجاوز النظر إلى الاعتبار، ورأى وراء انتظام الخلق حكمة الخالق وتدبيره.

🔸 وأمر الله بالسير في الأرض والنظر في عواقب السابقين، فقال سبحانه: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: 46]. فكم من عينٍ أبصرت آثار الهالكين ولم تر العِبْرة، وكم من أذنٍ سمعت أخبارهم ولم تسمع التحذير؛ لأن العمى الحقيقي ليس عمى البصر، وإنما عمى القلب عن دلالة ما يرى.

🔸 وعلّم الله عباده أن من وظائف العقل حُسْن الموازنة بين الفاني والباقي، فقال سبحانه: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: 32]. فمَن عرف زوال الدنيا ثم باع بها آخرته؛ فقد عرف المعلومة ولم يعقل معناها.

🔸 وحذّر الله من التقليد الذي يُقدَّم على الوحي، فقال سبحانه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 170]. فليس المذموم كل مَوْرُوثٍ، وإنما الموروث الذي يمنع صاحبه من قبول الحق حين يتبين له.

🔸 ومن دقة كلام الله أن التعقل لم يُربط بالنظر والاستدلال وحدهما، بل رُبط كذلك بالأدب وحُسْن السلوك، قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: 4]فالعقل إيمانٌ وأدبٌ، وليس فطنة وسرعة فهم فقط.

🔸 وحين كشف الله عن ندامة أهل النار، أخبر أنهم قالوا: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: 10]. فالعاقل ليس أكثر الناس جدلًا، ولا أسرعهم جواباً، بل أبصرهم بآيات الله، وأصدقهم مع كلامه، وأحسنهم سلوكاً، وأسرعهم رجوعًا إلى الحق.

د. سعد بن دبيجان الشمري

دكتوراه في الثقافة الإسلامية، كاتب وباحث مهتم بالدراسات الفكرية والثقافية والتربوية، وكتابة المقالات والخواطر.

شارك المقالة

0 تعليقات

المزيد من المقالات

السلام الداخلي لا يُشترى بمال، ولا يُنتزع بقوة، ولا يأتي من اكتمال الظروف، بل يبدأ من لحظة عظيمة في القلب .

تعاهد الحقائق

تظلم كثير من البدهيّات وحقائق الإسلام الأولية بتجاهلها والإعراض عنها في بعض مجالس العلم، ومحاضن التربية، ومنابر الوعظ، لكونها معروفة، ولكونها مما يقل الخلاف فيه، …

محاصرة السيئة.

من رحمة الله أن السيئة لا تُترك لتستولي على القلب، بل جعل لها حصونًا تحاصرها حتى تضعف وتموت.