يا أمه اثبتي فأنت على الحق.

🔸 حدثني شيخي حفظه الله فقال: مع كثرة التساؤلات حول المشاهد الدامية لما يعانيه المسلمون المستضعفون، والتي تدمي القلب، وتشوش الذهن، وربما أثارت الإرادة، وأزعجت التصور، وربما دفعت إلى أنواع من الغضب محموداً كان أو غير ذلك، بل ربما أوصلت إلى أنواع من الأمراض، ومن أخطرها الأمراض العقلية التي قد توصل إلى تشويش منطلقات التفكير، وقد تكون نواة لأمراضٍ نفسية متنوعة.
🔸 وعند النظر فيها ومحاولة تأملها يتبادر إلى الذهن السؤال عن الحِكم التي ذكرها الله عز وجل في سرد قصة أصحاب الأخدود، وكيف أن الأعداء قد حفروا في جنوب الجزيرة الأخاديد، ليلقوا فيها فئة وطائفة مؤمنة على بقايا الدين الحق، دين الأنبياء عليهم السلام، ثم قاموا بإحراقهم، حتى كان الناس يساقون في الطرقات إلى أخاديد النار الملتهبة، حتى أن الأخبار نقلت لنا خوف تلكم المرأة وترددها عن الاقدام على دخول الأخاديد الملتهبة، ليس خوفاً على نفسها، وإنما شفقة على طفلها، حتى أنطق الله الطفل مثبتاً لأمه، وحاثًّا لها على الإقدام، قائلاً : يا أمه اثبتي فأنت على الحق، ليحترق هو وأمه في سبيل الله.
🔸ثم أتأمل كيف حفظت لنا السيرة صنوفاً من التعذيب الذي وقع على السابقين الأولين من الصحابة، كبلال وآل ياسر وغيرهم، وكيف نقلت لنا كتب السيرة صنوفاً من التعذيب التي تنوء بحملها الجبال.
🔸 والأعجب من هذا أن من مارس معهم هذه المنهجية في التعذيب، رجال يوصفون برجاحة العقل بين أقوامهم، وفيهم من معاني الأنفة والعروبة، ومكارم الأخلاق الشيء الكثير، فهي تصرفات ليست صادرة من سقط المتاع، بل من رؤوس القوم وساداتهم، ومع ذلك يمارسون كل ذلك مع بعض أهليهم وقرابتهم، لمخالفتهم لهم فيما دعوهم إليه من ترك دينهم.
🔸 ثم أتخيل النبي عليه الصلاة والسلام والصديق وبعض الصحابة وهم ينظرون إلى هذه المناظر، ثم لا يستطيعون لهم نصراً ولاعوناً، وإن فعلوا فشيء لا يدفع شيئاً من هذا البلاء العظيم، بل يتطور الأمر إلى أن نرى الفئة المؤمنة ينحاز إليها من ليس معها، ممن تعاطف معهم حمية وقرابة، فيؤخذون معهم إلى شعب عامر بمكة، ويبقون في سجن كبير لمدة ثلاث سنوات، فكيف استمرت هذه السنوات الثلاث على من يتابع هذا المشهد من الصحابة من خارج الشعب؟! ما حالهم وهم يرقبون السجن الكبير؟ كيف تعامل الصحابة الكرام مع هذا البلاء العظيم، وهم ينظرون إلى النبي صلى الله عليه وسلم، رسولهم الكريم وهو في سجن كبير!
🔸وعظم البؤس في السجن الذي فرضه فراعنة المشركين من أهل مكة على الرسول الخاتم الكريم صلى الله عليه وسلم، وعظمت الجريمة المنكرة غير المسبوقة في تاريخ جزيرة العرب، لكن السؤال؛ كيف بقيت صورة ذلك البلاء في ذهن من عايشها من داخل السجن، ومن شاهدها من خارج السجن، ومن استشعر عجزه، وعدم قدرته على أن يقدم لهم شيئاً، فبقيت صور التعذيب في أجساد الصحابة الذين مسهم العذاب في مكة شاهدة على ظلم ذوي القربى لتشاهدها الأجيال.
🔸إن الصورة التي يكون فيها قتل الطفل والطفلة، وحرق الطفل والأم، وانتهاك الأعراض وذبح الأبناء، واستحياء النساء، إنها صورة سجلها القصص القرآني لبني إسرائيل ولبعض طوائفهم، ثم حفظتها سيرة النبي صلى الله عليه وسلم للنبي الخاتم ولمن معهم، فالناظر لصورة النبي الخاتم، وهو يسجد ثم يوضع سلا الجزور على ظهره، ويستشعر عجز أصحابه ومن آمن معه من السابقين عن نصرته، وكف الأذى عنه وعنهم، ويشاهد هذه الصورة، ويعيش تلك اللحظة بكل تفصيلاتها، وبكل بؤسها، وبكل وطأتها على القلب وعلى النفس، فماذا صنعت هذه المشاعر في هؤلاء من أنواع التصور، ومن الحالة النفسية، والحالة العقليه؟ وماذا يجب أن تصنع بنا نحن هذه الصور المشابهة في أيامنا، إننا نحتاج إلى أن ندرك أن كل ما نشاهده في غزة اليوم، قد مر بهذه الأمة عبر تاريخها ماهو أفظع بآلاف المرات، لكن لم تشاهده أعيننا، ولم نعش لحظاته المؤلمة بالصوت والصورة، كما رأيناه تحت سطوة الكاميرا الدقيقة، فلم نرها في الصين، ولم نرها في الهند في كشمير وفي أماكن كثيرة، إذاً فالمتغير اليوم هو سطوة الصورة الجارحة للنفس، المشوشة للعقل، المؤلمة للقلب والفؤاد والمشاعر، حتى ذرفت منها العيون، ووجلت واهتزت لأجلها القلوب، لقسوة الصورة الواضحة بكل تفاصيل الألم.
🔸والخطر العظيم أن تُغير هذه الصورة، أو تؤثر تأثيراً سلبياً، فتهز التصورات الصحيحة، وتؤثر في الإرادات والأعمال، فتتحول إلى صورة قاتلة مؤذية، بل يجب أن تتحول إلى وقود صحيح لإشعال القلب والعقل والتصور لعمل جاد، يفقه التكليف الشرعي في دفع البلاء ورفعه، من خلال النظر في خبر الأنبياء عليهم السلام التي قصها القرآن علينا للاقتداء والاهتداء، واشتملت عليها سيرة النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
🔸فكم نحن بحاجة إلى تلكم الكلمة التي نطق بها الطفل في قصة غلام الأخدود: يا أمه اثبتي فأنت على الحق.

د. سعد بن دبيجان الشمري

دكتوراه في الثقافة الإسلامية، كاتب وباحث مهتم بالدراسات الفكرية والثقافية والتربوية، وكتابة المقالات والخواطر.

شارك المقالة

0 تعليقات
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات

المزيد من الخواطر

🔸 يخطئ كثير من الشباب حينما يدخلون بوابة العلم والمعرفة - خصوصاً في العلوم الشرعية - من باب الشبهات والاعتراضات، فيدخلونه وقد استبطنوا الشبهة.

حين تُغلق أبواب الوعي لعقود، ويُمارس التجهيل على الناس حتى يختلط عليها الحق بالباطل، فيصبح الباطل عادةً تُمارس، ومحبّةً تُغذّى، وثقافة سائدة،.

مجالسة المفتونين

مجالسة المفتونين، والركون إليهم، سيؤثر على عقلك وقلبك عاجلاً أو آجلاً، حتى وإن وثقت بذكائك وإيمانك، فأول خطوات تزيين الشبهة والشهوة الجلوس إلى أهلها.