بناء الجيل

أحلام النصر والتمكين لدين الله في الأرض تداعب خيال كل مربي وداعية، فهي كالتنفيس الذي يلجؤ إليه عند تكالب الأعمال، فتكون كالمحفز له على الثبات والصبر والبذل، وهذا حسن إذا بقيت في خانة التنفيس والتحفيز والإلهام، لكن أن تنتقل إلى خارطة العمل، واتخاذ القرار، وترتيب الأولويات سيتسبب بعثرات خطيرة، منها:
1️⃣ استعجال الخطى لتحصيله، والقفز على المقدمات لنيله، وغياب النظرة السننية التي جعلها الله حاكمة على الخلق، فالعجلة داء عضال، تتسبب بالكثير من الأخطاء العملية، التي تئد الأفكار في مهدها، وتحرف المشاريع عن مسارها.
2️⃣ الإحباط عند تأخر المراد، فبمجرد أن يخطر بالبال أن لا ترى العين حصوله، يصيبها ذلك بإحباط كبير .
3️⃣ بداية المراجعات والتراجعات، وتغيير الحقائب والقبعات، والحكم على التجربة بالفشل، وانسداد الأفق، وعدم الجدوى.
4️⃣ التخفف من حمل الرسالة، واستثقال المبادئ، وربما اتهمت بأنها سبب التأخر والفشل.
🔸ولو نظرنا إلى حال المصلحين من أنبياء الله ورسله وأتباعهم لوجدنا كثيراً منهم لم تكتحل عيناه برؤية ثمار عمله، فموسى وهارون عليهما السلام توفاهما الله في التيه، على مشارف بيت المقدس، ويحى وزكريا قتلا على يدي يهود، وخلق من أصحاب رسول الله نالوا الشهادة ولم تكتحل أعينهم بالفتوحات، ودخول الناس في دين الله أفواجاً، وقبلهم أشرف الخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم توفاه الله ولم يشبع من خبز الشعير كما تقول عائشة رضي الله عنها، ومات عليه الصلاة والسلام ودرعه مرهونة عند يهودي، ولم تر عينه الشريفة كنوز كسرى وقيصر التي وعد بها أصحابه، وهي تحثى بين يدي الفاروق.
🔸نعم قد لا نكون جيل النصر الذي يرفع عن الأمة حال الاستضعاف وتكالب الأعداء، لكن اليقين أننا بإذن الله إن أخلصنا النية، واتبعنا سنن الله الشرعية، وتماشينا مع السنن الكونية سنكون من صنّاع ذلك الجيل.
🔸فهذا صلاح الدين الأيوبي كان ثمرة من ثمار جهود الزنكيين، ومن رباه من أهل العلم والدعوة، فنال شرف الفتح، فشاركوه الأجر بإذن الله، وإن لم تكتحل أعينهم به.
🔸هذه النظرة ستعين المربي والداعية على :
1️⃣ التركيز، والبعد عن العجلة، والاهتمام بالمؤثر بعيد الأجل من الأعمال.
2️⃣ كما سيسبغ ذلك على القلوب ثباتاً وطمأنينة، تجعل المربي يفكر بهدوء، ويعمل بروية وتؤدة، ويركز على المحكمات، وبناء الأفراد.
3️⃣ وسيكون لذلك أثر كبير على الثبات على أمر الله.
4️⃣ كما سيبعد المربي عن طلب العاجل والتزاحم عليه، إلى النظر الاستراتيجي الواسع.
🔸لنتذكر دوماً أن التكليف الشرعي هو الأمر بالسير على الصراط المستقيم، على هدى من الله، الذي أنعم بهداه على النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، فبمجرد السير والثبات عليه فقد وصلت، وإن لم تصل إلى ما تريد وقوعه في الدنيا القصيرة، وعمرك الأقصر، لأنك ستصل بإذن الله إلى مراد الله ورضوانه.

د. سعد بن دبيجان الشمري

دكتوراه في الثقافة الإسلامية، كاتب وباحث مهتم بالدراسات الفكرية والثقافية والتربوية، وكتابة المقالات والخواطر.

شارك المقالة

0 تعليقات
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات

المزيد من الخواطر

السنة الإلهية هي فعل الله سبحانه، ومنها نستلهم التكليف الشرعي الموجه إلينا، فكل سنة ربانية تتضمن تكليفاً شرعياً.

في يوم واحد

الحمدلله على نعمة اتباع السنة، والحمدلله على السلامة من شؤم وضلال البدعة.

إن الحقائق والمحكمات، ھي مادة الإصلاح والتجدید في الأمة.