بين الغفلة والذكر

الغفلة ليست مجرد نسيان عارض، وإنما حالةٌ يعيش فيها القلب بعيداً عن الحق، فلا ينتفع بما يراه من آيات الله ولا بما يسمعه من وحيه. قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: 105].

– ومن أخطر صور الغفلة أن يغفل الإنسان عن الآخرة، فيستغرق في دنياه كأن الحساب بعيد، مع أنه يقترب منه في كل لحظة. قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: 1].

– ولهذا بعثت الله الرسل؛ إذ أن الوحي جاء لإيقاظ القلوب بعد طول غفلتها، ولذلك قال سبحانه: ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ [يس: 6].

– فالغفلة تصرف الإنسان عن التفكر في نفسه، وعن إدراك حقيقة وجوده ومصيره، ولذلك قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾ [الروم: 8].

– وقد تبلغ الغفلة بالإنسان أن يُعطل قلبه وسمعه وبصره عن أداء وظيفتها، فيبصر ولا يعتبر، ويسمع ولا ينتفع، ويفكر ولا يهتدي. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: 179].

– وبداية الغفلة تكون بالإعراض عن ذكر الله، ثم يتبعها اتباع الهوى، ثم فساد السلوك، قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: 28].

– ولا تكون الغفلة عذراً يوم القيامة؛ لأن الله أقام الحجة على عباده، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب، فقال سبحانه: ﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: 172].


–  وعلاج الغفلة قائم على أصلين عظيمين: الذكر والتذكير. فالذكر يحفظ القلب من أن يغفل، والتذكير يوقظه إذا غفل، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: 205]، وإذا كان الذكر عملاً لازماً ينطلق من الذات لإصلاحها وإيقاظها من الغفلة، فإن التذكير عمل متعدي. يقوم به الرسل وأتباعهم لإصلاح غيرهم، قال سبحانه: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: 55]، وقال عز وجل: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: 45].

– لأن الغفلة تبعد القلب عن الله، وكل ذكرٍ أو تذكيرٍ يعيده إليه؛ ولذلك كان الذكر حياةً للقلوب، وكانت الذكرى رسالة الأنبياء، ومهمة العلماء، وسبب صلاح العباد والبلاد.

د. سعد بن دبيجان الشمري

دكتوراه في الثقافة الإسلامية، كاتب وباحث مهتم بالدراسات الفكرية والثقافية والتربوية، وكتابة المقالات والخواطر.

شارك المقالة

0 تعليقات

المزيد من المقالات

أو تَصنعُ لأخرق.

كم في زماننا من أعمال يسيرة عند بعض الناس، لكنها شاقة على غيرهم؛ فهذا لا يعرف التعامل مع التقنية، وآخر لا يحسن تعبئة النماذج، وثالث …

مجموعة من الحلول والمبادرات لمواجهة مشكلة تسرب القيادات ذات الرسالة والقيم ودخول شخصيات تركز على الجانب المالي والوظيفي مع ضعف القيم والرسالة. هذه المشكلة تؤثر …

أصبح القطاع غير الربحي يلعب دورًا محوريًا في تحقيق التنمية المستدامة، والمساهمة في تقديم الحلول لكثير من المشكلات، إلا أن التحدي الأكبر الذي يواجه هذا …