أو تَصنعُ لأخرق.

يظن بعض الناس أن العمل الصالح لا يكون إلا بمالٍ يبذله، أو عبادةٍ يؤديها، بينما وسّع النبي ﷺ أبواب الخير حتى أدخل فيها المهارة والخبرة والإتقان، فعن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: «قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، أيُّ الأعمالِ أفضَلُ؟ قال: الإيمانُ باللهِ، والجِهادُ في سَبيلِه، قال: قُلتُ: أيُّ الرِّقابِ أفضَلُ؟ قال: أنفَسُها عِندَ أهلِها وأكثَرُها ثَمَنًا، قال: قُلتُ: فإن لَم أفعَلْ؟ قال: تُعينُ صانِعًا، أو تَصنَعُ لأخرَقَ، قال: قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، أرَأيتَ إن ضَعُفتُ عن بَعضِ العَمَلِ؟ قال: تَكُفُّ شَرَّك عَنِ النَّاسِ؛ فإنَّها صَدَقةٌ مِنك على نَفسِك. وفي روايةٍ: فتُعينُ الصَّانِعَ، أو تَصنَعُ لأخرَقَ.
» رواه مسلم.

• والأخرق هو الذي لا يحسن العمل، أو يعجز عن إنجازه، فيكون من الصدقة أن تقوم به عنه، أو تعلّمه كيف ينجزه، أو تختصر عليه عناءه.

• وكم في زماننا من أعمال يسيرة عند بعض الناس، لكنها شاقة على غيرهم؛ فهذا لا يعرف التعامل مع التقنية، وآخر لا يحسن تعبئة النماذج، وثالث يعجز عن إصلاح جهاز، ورابع لا يعرف كيف ينجز معاملة أو يستفيد من خدمة إلكترونية.

• ويدخل في ذلك أيضًا إعانة الباحث عن وظيفة؛ فتساعده في إعداد سيرته الذاتية، أو ترشده إلى الفرص المناسبة، أو تدلّه على جهة توظيف، أو تزكيه بحق، أو تدربه على المقابلة الشخصية، أو تعرّفه بمن يفتح الله على يديه باب رزق. فكم من كلمة، أو دلالة، أو اتصال، كانت سببًا بعد الله في تغيير حياة إنسان وأسرته.

• فإذا سخّر الله لك علمًا، أو خبرةً، أو مهارةً، أو شبكةً من العلاقات، فلا تبخل بها، فإنها قد تكون من أعظم الصدقات، وربما كان ما تنجزه في دقائق يخفف عن غيرك أيامًا أو أشهرًا من الحيرة والمشقة.

• فلا تحتقر مهارتك، ولا تظن أن نفع الناس لا يكون إلا بالمال؛ فقد جعل النبي ﷺ من إنجاز العمل للعاجز، ومساعدة من لا يحسنه، بابًا من أبواب الصدقة والعمل الصالح.

د. سعد بن دبيجان الشمري

دكتوراه في الثقافة الإسلامية، كاتب وباحث مهتم بالدراسات الفكرية والثقافية والتربوية، وكتابة المقالات والخواطر.

شارك المقالة

0 تعليقات

المزيد من المقالات

مجموعة من الحلول والمبادرات لمواجهة مشكلة تسرب القيادات ذات الرسالة والقيم ودخول شخصيات تركز على الجانب المالي والوظيفي مع ضعف القيم والرسالة. هذه المشكلة تؤثر …

محاصرة السيئة.

من رحمة الله أن السيئة لا تُترك لتستولي على القلب، بل جعل لها حصونًا تحاصرها حتى تضعف وتموت.

الكيانات التربوية

من طبيعة النفس الإنسانية أنها لا تعيش إلا ضمن كيانات متنوعة، تنسجم معها وتتكامل معها، وتتبادل معها الحقوق والواجبات، لتتحقق العبودية لله، وعمارة الأرض بما …