تظلم كثير من البدهيّات وحقائق الإسلام الأولية بتجاهلها والإعراض عنها في بعض مجالس العلم، ومحاضن التربية، ومنابر الوعظ، لكونها معروفة، ولكونها مما يقل الخلاف فيه، …
الحب المختطف
- 8 أغسطس، 2026

الحب معنى قرآني جليل، ارتفع حتى وصف صلة العبد بربه، ومحبة الرب لعبده:
﴿يحبهم ويحبونه﴾، وقال سبحانه: ﴿والذين آمنوا أشد حبا لله﴾.
– إنه مقام من مقامات الإيمان، وعبادة من عبادات القلوب، وليس مجرد دعوى تتردد على الألسن؛ ولذلك جعل الله للمحبة برهاناً يصدقها، فقال: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾. فالحب في ميزان الوحي اخلاص واتباع واقتداء بمن يحبهم الله من سادات أوليائهوعلى رأسهم رسله وأتباعهم، وليست مجرد كلمات جميلة تخلو من معانيها.
– ومن هذا المنبع الأعلى فاض الحب على دوائر الحياة كلها؛ فحب الوالدين بر وإحسان، وحب الأبناء رعاية ورحمة، وحب الزوجة سكن ومودة ورحمة، وحب الأقارب صلة ووفاء، وحب المؤمنين نصح ونصرة ودعاء.
– فالمحب الحقيقي لا يسأل دائماً: ماذا آخذ؟ بل يسأل: ماذا أعطي؟ ولا يبحث عن لذته وحدها، بل يحتمل المشقة من أجل محبوبه، ويؤثره على نفسه، ويحفظه في حضوره وغيابه، ويستر عيبه، ويرحم ضعفه، ويصبر على تقصيره.
– وحتى الميل الفطري بين الرجل والمرأة لم يتركه الإسلام نهباً للنزوات، بل هذبه بالعفة، وصانه بالزواج، وأقامه على المودة والرحمة: ﴿وجعل بينكم مودة ورحمة﴾. فلم يلغ الغريزة، ولكنه رفعها من وحل الشهوة إلى طهر العفة، ومن أنانية الاستمتاع إلى مسؤولية العطاء.
– لكن هذه الكلمة النبيلة تعرضت لسطو متواصل عبر تاريخ طويل؛ اختطفها عباد الشهوة من محراب المعنى، وحبسوها في زنزانة الجسد، حتى غلب على الناس أنهم إذا سمعوا كلمة الحب لم يتبادر إلى أذهانهم حب الله، ولا بر الوالدين، ولا رحمة الأبناء، ولا وفاء الزوجين، وإنما تتجه الأذهان إلى علاقة عابرة، أو نزوة محرمة، أو تعلق حسي لا يرى من الإنسان إلا جسده، فكان اللبس بين الحب والشهوة.
– ومن الفروق بين الشهوة والحب:
الشهوة أخذ وطلب، والحب بذل وعطاء، الشهوة لا تنظر إلا إلى الجسد، والحب يرى الإنسان، الشهوة تنتهي عند الإشباع، والحب مستمر متجدد لا يذبل، الشهوة تستعجل اللذة الفانية، والحب يصبر لنيل الثمرة الباقية، الشهوة تفضح، والحب يستر،الشهوة تهدم الحدود، والحب يحفظ محبوبه من الحرام.
– فلا تسلموا الكلمات الجميلة للصوص المعاني، ولا تمنحوا النزوات نبل الحب وسموّه. سموا الشهوة شهوة، والنزوة نزوة، والعلاقة المحرمة معصية، وأعيدوا الحب إلى مقامه الذي أنزله الله فيه، فهو عبادة تقرب إليه، ورحمة تحفظ الأسرة، ووفاء يصل الأرحام، وطهر يصون القلوب والأعراض.
د. سعد بن دبيجان الشمري
دكتوراه في الثقافة الإسلامية، كاتب وباحث مهتم بالدراسات الفكرية والثقافية والتربوية، وكتابة المقالات والخواطر.
شارك المقالة
المزيد من المقالات
القبيلة والعائلة.. رادعٌ اجتماعي لا غنى عنه.
كان للقبيلة ولا يزال دورٌ تحفيزي فاعل في ترسيخ مكارم الأخلاق؛ إذ يُشاد بمن أحسن فعله، ويُنسب فضلُه إلى قبيلته وحمولته، فيكون ذلك دافعًا للمضيّ …
أبواب الرحمة
رحمة الله واسعة، فهو سبحانه ( الرحمن الرحيم) لكنها لا تنال بالأماني المجردة؛فقد جعل الله لها أبوابا، ودل عباده على مفاتيحها، وكلما ذكر سببا من …