حين قرأت خبر طباعة مجلدات جديدة من تراث شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، تذكرت فريقين مرّا على كتبه: فريقاً جمع بعضها وأحرقها؛ ليقطع طريقها …
الرجل مجموع مواقفه
- 11 سبتمبر، 2026

🔸المواقف التراكمية الرجولية للرجال هي ما يصنع اسمه، فيفزع إليه عند المدلهمات، وينتظر حضوره ورأيه حين تحار العقول والأفهام، وعلى النقيض تلكم المواقف السلبية المتكررة التي ترسم في أذهان الناس صورة سلبية تذكر عند ذكره وحضوره، فالتاريخ يحفظ، والمواقف تحفر في الذاكرة.
🔸فللإنسان سيرة يكتبها عن نفسه، وسيرة يقولها الناس عنه، وسيرة تكتب عند الله؛ فالأولى قد يملك تحسينها، والثانية يصنعها تراكم مواقفه، أما الثالثة فهي أعظمها وأبقاها وهي مادونته صحف الملائكة الكرام.
🔸 فربما تحسن صياغة سيرتك المكتوبة، وتنتقي لها أجمل العبارات، وتبرز فيها شهاداتك وخبراتك ومناصبك، وربما استطعت أن تبدو بها أكبر من حقيقتك؛ لكن الذين عرفوك لا يقرؤونك من أوراقك، وإنما من مجموع مواقفك.
🔸 فسيرتك الحقيقية تكتبها حين تفي بوعدك، وتصون أمانتك، وتنصف من اختلف معك، وتصدق في قولك، وتقف مواقف الرجال إذا احتيج إليك، هذا التراكم في المواقف هو حقيقة سيرتك.
🔸 وهذه المواقف تتجمع وتتراكم حتى تصنع لك اسماً يسبق اسمك، ووصفاً أبلغ من شهادتك ومؤهلك؛ فالكريم لم يسمى كريماً لعطاء يوم، والشجاع لم يسمى شجاعاً لبسالة يوم، وكذلك الأمين، والوفي، والصادق. وما هذه الأوصاف إلا خلاصة مواقف متتابعة، وشهادة لم تكتبها لنفسك، وإنما استحققتها بما عرفه الناس عنك.
🔸 لكن الأعظم من أن تكتب في ذاكرة الناس بصورة حسنة، وسيرة مشرفة، أن تكتب عند الله خيراً من ذلك؛ قال النبي ﷺ: «وإن الرجل ليصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإن الرجل ليكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً» ، وتأمل قوله ﷺ: “حتى يكتب”، وقوله “ويتحرى” فليست المسألة موقفاً عابراً، وإنما مواقف تتكرر، واختيارات تتراكم، وصفات تترسخ، حتى يكون للإنسان وصف يكتب به عند الله، وينادى به في ذلك الموقف العظيم، ليُدخل مع الباب الخاص بأصحاب هذه الصفة في الجنة، كما يدخل كثير الصيام من باب الريان، ومن تعددت خصاله وبورك في مواقفه، نودي من أبواب الجنة الثمانية.
🔸 والسؤال المهم: ما اسمك عند الناس؟، ومتى يذكر؟، وما اسمك عند الله الذي ستنادى به على رؤس الأشهاد يوم القيامة؟.
د. سعد بن دبيجان الشمري
دكتوراه في الثقافة الإسلامية، كاتب وباحث مهتم بالدراسات الفكرية والثقافية والتربوية، وكتابة المقالات والخواطر.
شارك المقالة
المزيد من المقالات
الأكابر بين شهوات الأبدان ولذات الأرواح
في كل مرة أقرأ قوله صلى الله عليه وسلم: " حبب إلي من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة" يستوقفني هذا السياق النبوي …
لا تبديل لخلق الله
حدثني شيخي يوماً فقال: للشيطان سبل متعددة ومنهجيات كثيرة، استخدمها في تاريخه الطويل، وتجاربه المتنوعة في إغواء وإضلال البشرية، وأهمها؛ تحريف الأمر( الوحي)، وتغيير الفطرة …