• ليس كل حدثٍ يستحق أن يُروى، ولا كل خبرٍ يستحق أن يُحفظ. فالأخبار تستهلكها الأيام، أما المواقف العظيمة فتنتصر على الزمن، وتتحول إلى ذاكرة …
كانوا في أصلاب آبائهم!
- 28 أغسطس، 2026

🔸 حين قرأت خبر طباعة مجلدات جديدة من تراث شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، تذكرت فريقين مرّا على كتبه: فريقاً جمع بعضها وأحرقها؛ ليقطع طريقها إلى الناس، وفريقاً نسخها وحفظ رسائلها المتفرقة في بطون المجاميع والكتب، وحملها من خزانة إلى خزانة حتى عبرت القرون.
🔸 أشعل أولئك ناراً عظيمة لحرق وإتلاف كتبه، وخط هؤلاء حروفاً من نور؛ ثم خمدت النار، وبقي نور المداد.
🔸 وبعد وفاة شيخ الإسلام، كتب تلميذه ابن مري الحنبلي إلى أصحابه يحثهم على جمع مؤلفاته، وتكثير نسخها، ومقابلتها بأصولها، ويوصيهم بمساعدة ابن رشيق، الذي كان أعرف الناس بكتب الشيخ ومواضعها، ثم قال كلمته الاستشرافية:
«ووالله إن شاء الله ليقيمن الله سبحانه لنصر هذا الكلام ونشره وتدوينه وتفهمه واستخراج مقاصده واستحسان عجائبه وغرائبه، رجالاً هم إلى الآن في أصلاب آبائهم».
🔸 وكأن ابن مري كان يرى ما وراء عصره؛ يرى نُساخاً لم يولدوا، ومحققين لم تعرف أسماؤهم، ومطابع لم تخترع، ومكتبات ومنصات لم تخطر يومئذ على بال.
🔸 وها نحن اليوم، بعد أكثر من سبعة قرون، نشهد تحقق ما رجاه: رجال جاءوا من أصلاب آبائهم، فتتبعوا النسخ، وجمعوا المتفرق، وقابلوا المخطوطات، وحققوا النصوص، وأخرجوا في مجلدات مطبوعة ما ظن المحرقون أن النار قد قضت عليها.
🔸 مات المحرقون، وغابت أسماؤهم، أما النساخ المجهولون فما تزال آثار أقلامهم حية؛ فكل مجلد يطبع اليوم شاهد بأن عملاً صامتاً قد يهزم حملة صاخبة، وأن حافظ ورقة قد يخدم العلم أكثر ممن ملأ زمانه ضجيجاً وصخباً وتشغيباً.
🔸 إنها سنة الله تبارك وتعالى : ﴿فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض﴾ [الرعد: 17].
🔸 فلا تستصغر عملاً تؤديه في خدمة العلم والدين؛ فقد تحفظ ورقة، أو تصور مخطوطة، أو تحقق مسألة، أو تنشر علماً، ثم تمضي ولا ترى ثمرة عملك؛ بينما يهيئ الله للانتفاع به رجالا لا يزالون في أصلاب آبائهم.
د. سعد بن دبيجان الشمري
دكتوراه في الثقافة الإسلامية، كاتب وباحث مهتم بالدراسات الفكرية والثقافية والتربوية، وكتابة المقالات والخواطر.
شارك المقالة
المزيد من المقالات
أَفَلَا تَعْقِلُونَ
لفت انتباهي عند قراءة القرآن أن مفردة العقل في كلام الله لم ترد اسماً، وإنما وردت فعلًا يُمارَس: ﴿يَعْقِلُونَ﴾ و﴿تَعْقِلُونَ﴾؛ فالعقل في كلام الله ليس …
فكل ميسر لما خلق له
كلما رأيت السلحفاة تمشي على اليابسة ببطء شديد، ظننت لأول وهلة أنها مخلوق ضعيف محدود القدرة، وأن هذا أقصى ما تستطيع فعله.