كيف تُصنع الأمثال؟

( أعز من جار التومي) أنموذجاً

ليس كل حدثٍ يستحق أن يُروى، ولا كل خبرٍ يستحق أن يُحفظ. فالأخبار تستهلكها الأيام، أما المواقف العظيمة فتنتصر على الزمن، وتتحول إلى ذاكرة أمة، ثم تختصرها الألسن في مثلٍ واحد، يردد في كل زمان.

• ولعل أكثر الأمثال العربية لم تبدأ بكلمات، وإنما بدأت بموقف رجل صدق، أو جار وفى، أو فارس أغاث، أو كريم بذل، ثم مضى أصحاب الموقف وبقي أثرهم، حتى أصبح اسمهم عنوانًا لكل من جاء بعدهم، ولا زلنا نردد أمثالاً مثل؛ أشجع من عنتر، وأكرم من حاتم.

• ومن هذا الباب تُقرأ قصة أبناء قبيلة التومان من شمر الكرام مع جارهم الكريم. فما كاد ينتشر الخبر عن عرض البنك لبيته في المزاد؛ لعجزه عن سداد قرضه العقاري، حتى سبق جيرانه الشعور بالمسؤولية، قبل أن تسبقهم الخطى، وتنادوا كما تتداعى الأعضاء لوجع الجسد، لا يسأل أحدهم: كم يدفع غيري؟ وإنما يسأل نفسه: ماذا بقي علي؟ فاجتمع المال في أيام أربعة فقط!، ثم جاء ختام الموقف كما يليق بمطلعِه، حين تكفل شيخ القبيلة الشيخ فيصل بن مشل التمياط بسداد ما بقي، ليكتمل المشهد كما تكتمل القصائد العظيمة بآخر أبياتها، فكان بيت القصيد.

• المجتمعات الإسلامية تحفظها تلك القيم النبيلة التي بُعث النبي صلى الله عليه وسلم متمماً لها فقال عليه الصلاة والسلام:( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) تلكم القيم التي تجعل مصيبة الفرد شأنًا للجميع، وتجعل كرامة الجار دينًا في أعناق جيرانه، حتى يشعر الإنسان أن حوله رجالًا إذا ضاقت به الأرض وسعته أخلاقهم.

• وإذا كان للعرب أن يزيدوا مثلًا في سجل أمثالهم التي ترددها الأجيال، فلن يكون غريبًا أن يقولوا في كرامة الجار وعزته: “أعز من جار التومي.” فقد بلغوا الغاية في عزة جارهم وإكرامه، فالأمثال لا تُمنح، وإنما تُستحق، ولا يكتبها الأدباء، وإنما تكتبها مواقف الرجال، ثم يوقع عليها التاريخ.

• سلامٌ على كل يدٍ بذلت، وكل قلبٍ شعر، وكل رجلٍ لبى النداء، وسلامٌ على قيادةٍ جمعت أبناءها على المعروف، فكانت أول من دل عليه، وأول من سبق إليه. فهذه هي المكارم التي إذا رآها الأبناء تعلّموا أن الأخلاق ليست كلمات تُلقن، وإنما مواقف تُعاش.

د. سعد بن دبيجان الشمري

دكتوراه في الثقافة الإسلامية، كاتب وباحث مهتم بالدراسات الفكرية والثقافية والتربوية، وكتابة المقالات والخواطر.

شارك المقالة

0 تعليقات

المزيد من المقالات

من أكثر الأخطاء التي يقع فيها الأفراد والأسر وفرق العمل، الاستغراق في توصيف المشكلة، وإعادة سرد تفاصيلها، وتحليل أسبابها، وتكرار الحديث عن آثارها، حتى تتحول …

لا تكن خفيفاً

من أخطر ما يُفسِد الإنسان أن يتحول إلى إنسان “خفيف" خفيف العقل،خفيف الوعي، خفيف الموقف،تهزه الكلمات، وتقوده الضوضاء،فيساق بلا بصيرة.

عندما نتأمل قصة موسى عليه السلام نجد أنها ليست قصة مواجهة مع فرعون فحسب، بل عرض قرآني متكامل للسنن الإلهية التي تحكم مسيرة الإصلاح في …