قصة موسى عليه السلام قراءة في السنن الإلهية

عندما نتأمل قصة موسى عليه السلام نجد أنها ليست قصة مواجهة مع فرعون فحسب، بل عرض قرآني متكامل للسنن الإلهية التي تحكم مسيرة الإصلاح في المجتمعات.

• فقد واجه موسى طغيان فرعون، ليقرر القرآن سنةً عظيمة، وهي أن القوة مهما بلغت إذا اقترنت بالاستكبار والظلم كانت تحمل في داخلها بذور هلاكها، وأن الله يملي للطغاة لكنه لا يهملهم.

• وواجه السحرة الذين مثّلوا التزييف والتضليل وصناعة الوهم، لتظهر سنة أخرى، وهي أن الباطل قد يعلو ويخدع الناس زمناً، لكنه لا يصمد أمام الحق إذا ظهر واضحاً جلياً، ولذلك تحوّل السحرة أنفسهم من جنود للباطل إلى شهداء للحق عندما تبين لهم الأمر.

• ثم لم تكد تنتهي مواجهة فرعون حتى ظهرت فتنة العجل، وكأن القرآن يعلمنا أن الانتصار على العدو الخارجي لا يعني انتهاء المعركة، فكم من أمة نجت من عدوها ثم سقطت بسبب الفتن التي خرجت من داخلها، ولذلك كانت المحافظة على المنجزات أصعب من تحقيقها أحياناً.

• وفي قصة قارون تتجلى سنة أخرى، وهي أن المال ليس علامة رضا ولا سخط، وإنما هو ابتلاء واختبار، وأن كثيراً من الناس ينجحون في مواجهة الشدائد لكنهم يفشلون عند أبواب النعم والثراء.

• أما هامان فيكشف جانباً مهماً من السنن الاجتماعية، فالباطل لا يقوم على الطغاة وحدهم، بل يحتاج إلى طبقة من المنتفعين والخبراء والإداريين الذين يسخرون قدراتهم لخدمته، ولذلك لم يكن الهلاك خاصاً بفرعون وحده، بل شمل منظومته كلها.

• ثم تأتي قصة تيه بني إسرائيل لتبين أن صحة الفكرة وعدالة القضية لا تكفي وحدها لتحقيق النصر، بل لا بد من صناعة الإنسان القادر على حمل الرسالة. فقد رأوا الآيات والمعجزات، ومع ذلك أعاقتهم أمراض النفوس وضعف العزائم والتردد، فكان التيه أربعين سنة حتى ينشأ جيل جديد مؤهل لتحمل الأمانة.

• ولعل هذا من أعظم أسباب تكرار قصة موسى في القرآن؛ لأنها أكثر القصص إظهاراً للسنن الإلهية الجارية في حياة الأفراد والأمم والدول، والتي تتبدل صورها عبر التاريخ، لكنها لا تتبدل في حقيقتها.

د. سعد بن دبيجان الشمري

دكتوراه في الثقافة الإسلامية، كاتب وباحث مهتم بالدراسات الفكرية والثقافية والتربوية، وكتابة المقالات والخواطر.

شارك المقالة

0 تعليقات

المزيد من المقالات

محاصرة السيئة.

من رحمة الله أن السيئة لا تُترك لتستولي على القلب، بل جعل لها حصونًا تحاصرها حتى تضعف وتموت.

أو تَصنعُ لأخرق.

كم في زماننا من أعمال يسيرة عند بعض الناس، لكنها شاقة على غيرهم؛ فهذا لا يعرف التعامل مع التقنية، وآخر لا يحسن تعبئة النماذج، وثالث …

لفت انتباهي عند قراءة القرآن أن مفردة العقل في كلام الله لم ترد اسماً، وإنما وردت فعلًا يُمارَس: ﴿يَعْقِلُونَ﴾ و﴿تَعْقِلُونَ﴾؛ فالعقل في كلام الله ليس …