بعض الأمانة أختٌ للخيانة

كنت أتصفح حالات الواتساب، وكثيراً ما أفعل ذلك في بعض الأوقات؛ فهذا مصاب يعزى، وهذا خبر عن مناسبة تستحق التبريك، وهذه موعظة تحرك الوجدان، وهذا تذكير يمزق ستار الغفلة.
فوقعت عيني على جملة عميقة لأخي الشيخ فيصل السويدي، كتب فيها: «بعض الأمانة أخت الخيانة».

استوقفتني هذه العبارة طويلاً؛ ليس لأنها تتهم الأمناء، وإنما لأنها تفتح باباً لمراجعة بعض الصور التي نظنها من الأمانة، وقد تكون المبالغة فيها سبباً في تفويت شيء مما اؤتمنا عليه.

🔸 فرجعت لقول الله تعالى : ﴿إن خير من استأجرت القوي الأمين﴾ [القصص: 26]، متأملاً ومتدبراً، لأعالج ما وقع في نفسي، فوجدت أن الآية جمعت بين وصفين جليلين: قوة تحمل المسؤولية وتنهض بها، وأمانة تصونها وتحفظها، وكأن في اجتماعهما معنى يحتاجه كل من ولي عملاً أو مالاً أو مصلحة؛ فالحفظ وحده لا يحقق المقصود حتى يصحبه حُسن القيام بما اؤتمن عليه.

🔸 وقد يكون الإنسان شديد الحرص على الأمانة، فيدعوه حرصه إلى مزيد من التثبت والاحتياط، وهذا محمود بلاشك، لكن لكل فضيلة قدرها؛ فقد يتجاوز الاحتياط قدره، فيتحول من حماية للمصلحة إلى تأخير لها، وقد يزيد الحرص على المال حتى يفوت الغرض الذي حفظ المال من أجله.

🔸 فالمال لم يجعل ليحفظ فحسب، وإنما ليحفظ ويصرف في وجهه، والفرصة لا يكفي أن ندرسها حتى نطمئن إليها، بل لا بد أن ندرك أن لها وقتاً يمضي وقد لا يعود، والموارد لا تؤدي رسالتها بمجرد بقائها، وإنما بما تحققه من نفع وأثر.

🔸 وكم يقع شيء من ذلك بحسن قصد، فيتأخر القرار طلباً لمزيد من التثبت، أو يقل الإنفاق رغبة في المحافظة على الموارد، أو تتأخر المبادرة خشية ألا تكتمل صورتها، ثم نكتشف بعد حين أن للتأخير كلفة كبيرة، ولعدم الاقدام خسارة يصعب تعويضها، كما أن للقرار مخاطره وخسائره.

🔸 وربما كان هذا هو المعنى الذي هزني في تلك العبارة: أن الأمانة لا تضيع دائماً بسوء القصد، فقد يفوت شيء من حقها مع صدق النية وشدة الحرص؛ ويكون ذلك حين نحفظ الوسيلة وننسى مقصدها، أو نخشى الخسارة حتى تفوت المصلحة.

🔸 فتمام الأمانة ليس في ألا نخسر أبداً، فهذا متعذر، وإنما في أن نجتهد في معرفة الصواب، ونوازن بين المصالح والمخاطر، ونضع المال والقرار والفرصة في موضعها ووقتها؛ حتى نؤدي ما اؤتمنا عليه كما ينبغي.

🔸 ويتجاوز ذلك بأن تكون الأمانة بيد الأمناء الأقوياء، والخبراء الأكفاء، ومتنوعي التخصصات إذا احتيج لذلك، مع قيادة واعية رشيدة، ورأي شوري مبارك، ومتابعة دقيقة، وتقويم ومراجعات مستمرة.

د. سعد بن دبيجان الشمري

دكتوراه في الثقافة الإسلامية، كاتب وباحث مهتم بالدراسات الفكرية والثقافية والتربوية، وكتابة المقالات والخواطر.

شارك المقالة

0 تعليقات

المزيد من المقالات

تدوير المعرفة

من أخطر ما يصيب الإنسان أن يظن أن المعرفة إذا دخلت القلب بقيت فيه كما هي. والحقيقة أن العلم والوعي والإيمان والقيم إذا لم تُتعاهد، …

محاصرة السيئة.

من رحمة الله أن السيئة لا تُترك لتستولي على القلب، بل جعل لها حصونًا تحاصرها حتى تضعف وتموت.

كرة الثلج

تتربع على قمم الجبال الشاهقة طبقات وأطنان من الثلوج التي تراكمت عبر أزمنة طويلة، تزين الجبال ببياضها الناصع، حتى كأنها إكليل من الورود البيضاء على …